قطب الدين الراوندي

462

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

منجى منك إلا إليك . بيدك ناصية كل دابة ، واليك مصير كل نسمة . [ سبحانك ما أعظم شانك ] ( 1 ) سبحانك ما أعظم ما نرى من خلقك ، وما أصغر عظيمة في جنب قدرتك ، وما أهول ما نرى من ملكوتك ، وما أحقر ذلك فيما غاب عنا من سلطانك ، وما أسبغ نعمك في الدنيا وما أصغرها في نعم الآخرة . ( منها ) : من ملائكة أسكنتهم سماواتك ، ورفعتهم عن أرضك ، هم أعلم خلقك بك وأخوفهم لك ، وأقربهم منك . لم يسكنوا الأصلاب ، ولم يضمنوا الأرحام ، ولم يخلقوا من ماء مهين ، ولم يتشعبهم ريب المنون ، وانهم على مكانهم منك ، ومنزلتهم عندك ، واستجماع أهوائهم فيك ، وكثرة طاعتهم لك ، وقلة غفلتهم عن أمرك لو عاينوا كنه ما خفي عليهم منك لحقروا أعمالهم ، ولزروا على أنفسهم ، ولعرفوا أنهم لم يعبدوك حق عبادتك ، ولم يطيعوك حق طاعتك . سبحانك خالقا ومعبودا ، بحسن بلائك عند خلقك ، خلقت دارا وجعلت فيها مأدبة مشربا ومطعما ، وأزواجا وخدما وقصورا وأنهارا وزروعا وثمارا ، ثم أرسلت داعيا يدعو إليها ، فلا الداعي أجابوا ، ولا فيما رغبت [ فيه ] ( 2 ) رغبوا ، ولا إلى ما شوقت إليه اشتاقوا . اقبلوا على جيفة قد افتضحوا بأكلها ، واصطلحوا على حبها ، ومن عشق شيئا أعشى بصره وأمرض قلبه ، فهو ينظر بعين غير صحيحة ، ويسمع بأذن غير سميعة ، قد خرقت الشهوات عقله ، وأماتت الدنيا قلبه ، وولهت عليها نفسه ، فهو عبد لها ولمن في يديه شيء منها ، حيثما زالت زال إليها ، وحيثما أقبلت أقبل عليها . لا ينزجر من اللَّه بزاجر ، ولا يتعظ منه بواعظ . وهو يرى المأخوذين على الغرة حيث لا إقالة [ لهم ] ( 3 ) ولا رجعة ، كيف نزل بهم ما كانوا يجهلون ، وجاءهم

--> ( 1 ) الزيادة من يد . ( 2 ) الزيادة من ص . ومن هامش نا . ( 3 ) الزيادة من يد .